|

نعرض
في هذا الباب مشكلة من المشاكل الأسرية أو الإجتماعية ونفتح باب المناقشة
لتناولها من كافة جوانبها. ونوجه الدعوة إلى كل من له تجربة شخصية وكل من
له رأي شخصي أو علمي يتعلق بالمشكلة المطروحة أن يدلي بدلوه. ونحن نفسح
المجال كذلك أمام المقترحات لمناقشة المشاكل الأخرى وفتح موضوعات جديدة.
زوجة الأب …. ظالمة أم مظلومة؟

زوجة الأب التي تكره أولاد الزوج وتكيل لهم ألوان العذاب وتوقع بينهم وبين
أبيهم وتحول دون تمتعهم بأمواله وقد يصل الأمر أحياناً إلى تعذيب الأطفال
وطردهم من البيت وحرمانهم من الميراث كباراً . هذه هي الصورة التقليدية
التي ترسمها وسائل الإعلام لزوجة الأب بدءاً من أفلام الأطفال المشهورة مثل
سند ريلا والأميرة النائمة ومروراً بالتمثيليات والأفلام فتخلق عداءاً
طبيعياً ضدها، ولكن هل هذا هو واقع زوجة الأب بالفعل ؟ أم أن هذه الصورة
تخالف الواقع؟
طرحت هذا السؤال على كثير ممن لديهم تجربة شخصية في هذا المجال فحصلت على
إجابات متنوعة منها ما يلي:
السيدة م . م تقول: " لقد نشأت في أسرة مفككة عرفت فيها ألوان التمزق
والخلاف بين الأب والأم. وكان الانفصال هو النهاية المتوقعة بعدها تركت أمي
بيت أبي وعشت عدة أشهر من المعاناة حيث كنت وأنا في الخامسة عشر مسؤولة عن
رعاية أبي وأخي بالإضافة إلى دراستي يعدها قرر أبي أن يتزوج فأقمت الدنيا
ولم أقعدها خوفاً من العيش مع زوجة أب وتركت بيت أبي وانتقلت إلى بيت أمي
التي كانت قد تزوجت هي الأخرى وتعيش مع زوجها وأبناؤه فعشت بينهم كالغريبة
الدخيلة وعبثاً حاولت أمي أن تدمجني في أسرتها الجديدة بعدها عدت إلى بيت
أبي للحياة مع زوجته وأبنتها التي شاركتني غرفتي وأشعلتها حرباً ضروس ضد
هؤلاء الغرباء الذين يحتلون بيتنا وكنت أحترق كل يوم وأنا أراهم يسيطرون
على كل شيء حتى على أبي ذاته. ولكن بعد عدة سنوات لمست في زوجة أبي بعض
الجوانب الإنسانية حيث كانت تحاول أن تتقرب مني في بعض المواقف الحرجة في
حياتي مثل أيام مرضي وأيام الامتحانات الطويلة في كليتي الصعبة وكذلك بدأت
أستشعر نوع من الألفة مع "أختي" وكانتا قد بدأتا في تخفيف حصارهما على أبي
فساعدني ذلك على تقبلهما، ولم تحاول زوجة أبي أن تبدأ أية مشاكل أخرى وكأن
الوضع قد أستقر بها في بيتنا ولم يعد هناك مبرر للحرب القديمة وأنا الآن
أقضي يوماً في الأسبوع أنا وأولادي في بيت أبي مع زوجته وأختي وأسرتها
الصغيرة ويوماً أخر مع أمي وأسرتها. "
أما السيدة ف. ي فتقول:
" لقد غيرت زوجة أبي التي أصبحت فيما بعد حماتي مجرى حياتي كلها فقد تزوجها
أبي بعد وفاة والدتي وكنت حيينها طفلة لم أتعدى التاسعة، فذقت على يديها
كافة أنواع الذل والمهانة والعذاب والحرمان فكانت تحملني مسؤولية الأعمال
المنزلية بالكامل وأنا في هذه السن الصغيرة بدعوى تعليمي وتدريبي على حمل
المسؤولية وكان نتيجة ذلك تعثري المستمر في دراستي وإحساسي بالانكسار
الشديد مما أنعكس سلبياً على دراستي وعلاقاتي الاجتماعية فلم أعرف اللهو
واللعب مثل قريناتي بل كنت دائماً مهمومة حزينة وضغطت على أبي أن أكتفي من
التعليم بالمرحلة الإعدادية فقبل على مضض ومنعني من الذهاب إلى المدرسة
وبذلك وقعت تحت سيطرتها الكاملة فلا مناص من القيام بكافة أعباء المنزل ولا
مهرب من البيت إلا إليه. هذا بالرغم من أن أبي كان موسراً ومن وجود عدد من
الخدم في البيت إلا إني كان يجب أن أعمل معهم بل كنت أحياناً أكلف بالمهام
الشاقة ويترك لهم المهام الأكثر سهولة. وأستطيع أن أقسم لك أنها كانت تعامل
الخدم معاملة أفضل مني فعشت في بيت أبي كسيرة ذليلة. وازداد الأمر سوءاً
بضغطها على أبي أن يزوجني من أبنها من زوجها الأول خوفاً من خروج ميراث أبي
بعد عمر طويل من قبضتها. وعلى الرغم من أن زوجي رجل طيب ولا غبار عليه إلا
أن تدخلها المستمر في حياتنا أحالها إلى جحيم هذا بالإضافة إلى إصرارها على
أن نعيش معهم في البيت الكبير حتى لا أخرج من "عز أبي". فعرفت من سطوتها
ألوان العذاب ولم أعرف طعم الراحة إلا عند سفر زوجي للخارج حيث كان معاراً
لأحد الدول العربية فأصررت على الذهاب معه أنا وولدي وكانت السنوات الأربع
التي عشناها هناك هي أسعد أيام حياتي لذلك حرصت على أن يكون لنا بيتنا
المستقل عند عودتنا وكانت عقوبتنا الحرمان من ميراث أبي الذي كان قد توفى
أثناء إقامتنا بالخارج ولكن شظف العيش أهون بكثير من ذلها وهوانها وأنا حتى
الآن وبالرغم من تقدمها في السن أعتبر أن البعد عنها غنيمة ولا أكن لها إلا
كل بغض ومرارة بل إني أحياناً أشفق عليها لأنها حرمت نفسها وكل من حولها من
معنى السعادة ولذة الهناء وأنا أحمل معي الكثير من الذكريات السيئة لما
فعلته معي عبر السنين وإن كنت أحاول أن أتغلب عليها حتى أسعد مع أسرتي
وزوجي وأتعجب كثيراً كيف نبت هذا الفرع الطيب من ذلك الأصل السيئ ولا أحاول
إطلاقاً أن أحث زوجي على أن لا يبرها فهي أمه أولاً وأخيراً."

فرصة أخرى للسعادة:
أما السيدة م . ع فتحكي لنا عن تجربتها كزوجة أب فتقول:
"تزوجت من زوجي بعد انفصاله عن زوجته الأولى وبعد أن عشت أنا الأخرى قصة
زواج فاشلة أحتفظ بعدها زوجي الأول بأولادي منه وعزم على أن يحرمني من
رؤيتهم فقررت أن أعوض نفسي وزوجي عن مرارة تجربتنا الأولى اعتبرت أولاده من
زوجته الأولى هم أولادي وكانوا يمضون معنا يومين العطلة من كل أسبوع اعتبرت
أن الله قد عوضني بهم فأفرغت فيهم كل طاقتي الشعورية وتعاملت معهم على إنهم
نعمة من السماء. وقد لمس زوجي وأولاده صدق مشاعري ورغبتي الأكيدة في تحقيق
السعادة لنا جميعاً فساعدوني على النجاح في مهمتي ولم أفاجأ أو أعترض عندما
أنتقل أكبر الأبناء للإقامة معنا بصفة دائمة لأنه كان يشعر في بيتنا
بالسعادة على حد قوله ثم تلته أخته الصغرى بعد عدة سنوات لقرب مسكننا من
الجامعة التي كانت تدرس بها فكنت أوفر لها الجو المناسب للمذاكرة وتحول
بيتي إلى الملاذ الأمن لها ولصديقاتها أثناء المذاكرة والامتحانات. والآن
بعد أن كبر الأبناء وتزوجوا أسعد بزيارتهم لنا وأزورهم أنا وأبيهم في
بيوتهم وأسعد أن الجميع ينادونني ماما وأشعر أن في هذا مكافأة من الله لي
على رغبتي الصادقة في إسعادهم من البداية."
وتؤكد السيدة د.س. التي حضرت هذا الحديث كلام زوجة أبيها أو"ماما" كما تحب
أن تناديها قائلة:
" لقد كنت أتوجس خيفة من دفء مشاعرها في البداية اعتبرته فخاً تريد أن توقع
فيه أبي لتقنعه بحبها له، فتعاملت معها على حذر ولكن إحدى مدرساتي في
المدرسة الإعدادية التي كنت أحكي لها باستمرار عن مشاكل بيتنا نصحتني أن
أتقرب منها وأن أمنحها الفرصة لكي تحقق لنا جميعاً السعادة وقد كان. وأنا
فخورة جداً لأن لي أمين ولأني استمعت لنصيحة مدرستي فزادت فرصتي في السعادة
وأنا بدوري أنصح الآخرين ممن يتعرضوا لمثل هذه الظروف أن افتحوا قلوبهم
لزوجة الأب لعلها تكون فرصة أخرى للسعادة."
رأي الطب النفسي:
ويقول الدكتور محمد مهدي أستاذ الطب النفسي معلقاً على سؤالي له إن كانت
زوجة الأب ظالمة أم مظلومة نتيجة التصوير الشرير لها في وسائل الإعلام: "
لا نستطيع أن نقول أنها رؤية نمطية لزوجة الأب ولكنه موقف نفسي حقيقي أن
يجد الابن أو البنت عرش الأم الذي كانت تجلس عليه أمه كملكة تجلس عليه
امرأة أخرى تبدو في ذهن الابن أو البنت كبهلوان يجلس على هذا العرش ويغتصبه
ويغتصب الأب وحبه وفي كثير من الحالات نجد الأب يندفع بشكل زائد في حبه نحو
هذه الزوجة الجديدة التي غالباً ما تصغره في السن ويشعر أنه يجب أن يعوضها
عن هذا الفارق في السن وعن ظروف زواج من لديه زوجة أخرى فيعوضها بمزيد من
الرعاية والاهتمام ويستقبل الأولاد والبنات بشكل لأخص هذا الوضع على إنه
تفرقة بين أمهم وبين هذه الزوجة الجديدة."
هذا في حالة زوجة الأب إذا كانت الأم موجودة ماذا عن الوضع في حالة وفاة
الأم: " تزداد حدة هذا الموقف في حالة وفاة الأم لأنه في حالة وجود الأم
على قيد الحياة قد يجد الأبناء مخرجاً من خلال الأم لذلك تبدأ علاقة
الأبناء بزوجة محملة بموروثات اجتماعية ونفسية شديدة وتتأكد من خلال
المعايشة اليومية ولكن في بعض الحالات تفرض الظروف هذا الوضع ويصبح على
الجميع التعايش معه".
دور الأب:
ما دور الأب في تلطيف العلاقة بين أولاده وزوجته الجديدة يجيب الدكتور محمد
مهدي قائلاً" يجب على الأب أن يتحرك بحذر حين يعبر عن مشاعره نحو هذه
الزوجة الجديدة وعلى هذه الزوجة إذا كانت حريصة على استقرار الوضع في
العائلة التي دخلت إليها أن تبتعد عن المساحة التي كانت تشغلها الأم
الأصلية حتى لا تستفز مشاعر الأبناء وعلى الأبناء أن يتحلوا بالواقعية ولا
يستدرجوا إلى عمل منافسة أو مقارنة بين الأم وزوجة الأب وعلى المجتمع ككل
أن يساعد هذه الأطراف على قبول هذا الوضع الجديد على أنه واقع واحتياج لأحد
هذه الأطراف أوكلها."
نحن والآخرون:
ما الفرق بين مجتمعنا وبين المجتمعات الأخرى من حيث التقبل الاجتماعي لزوجة
الأب؟ يقول الدكتور محمد مهدي : " نجد في بعض المجتمعات العربية مثلاً
تقبلاً للتعايش بين الأبناء وزوجة الأب سواء في حياة الأم أو بعد وفاتها
وهذا القبول الاجتماعي يساعد الجميع على التعايش في ظل هذه الظروف. أما إذا
حدثت عملية استعداء إعلامي من خلال القصص المأساوية التي تقدم من خلال
الأفلام والمسلسلات التي تؤكد الصورة السلبية لزوجة الأب وتغفل الجوانب
الواقعية واحتياجات الأفراد لهذا الأمر فإن هذا الموقف يشعل النار بين
الجميع ويجعلهم يدخلون في نفق مسدود."
ويشاركنا الدكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسي الرأي حيث يقول: " نرى
نماذج لحالات مرضية شديدة يكون أساسها تجربة سلبية مع زوجة الأب في الطفولة
وسلوك الزوجة مع الأبناء يتوقف إلى حد كبير على سلوك الأب معها ومعاملته
لها إلا في بعض الحالات النادرة من الشراسة فالأم البديلة تصب على الأبناء
ما تلاقيه من معاملة الأب فعندما يثقل عليها نفسياً وجسدياً ومادياً نجد
ذلك ينعكس على الأبناء"
هل يمكن أن تلغى الصورة التقليدية لزوجة الأب؟
نصائح إلى زوجة الأب يقدمها الدكتور خليل فاضل:
-
ضعي نفسك مكان أولاد زوجك وتقبلي مهام الأم الطبيعية بحيث تصبحي مسؤولة
عن رعايتهم وعن تطور شخصياتهم ولأن الحياة بذل وعطاء تأكدي من أن هؤلاء
الأولاد سيخلصون لك.
-
انظري إلى نفسك كخلية أساسية في هذا المجتمع فإن الطفل الذي سيشب في
أحضانك سواء كان أبنك أو أبن زوجك هو أبن للمجتمع الذي يظلك بظله ومن ثم
فإن أي تشوهات نفسية تنشأ نتيجة الإساءة إليه ستخرج للمجتمع إنساناً ناقماً
مهيأ للعدوان والإدمان والانتقام منا جميعاً.
-
البر بزوجة الأب وحسن معاملتها نوع من البر بالأب واحترام لاحتياجاته.
الزوجة الجديدة ونقل الأعضاء:
يشبه الدكتور محمد انتقال الزوجة الجديدة لحياة أسرة الأب والأبناء بعملية
زرع الأعضاء حيث يجب أن نتأكد أولاً من أن العضو سينتقل بشكل آمن وذلك عن
طريق محاولة التقارب بين العادات والتقاليد حتى لا تترك الخلافات الأولية
ذكريات أليمة. وعلى الزوجة أن تتعامل مع مشاعر الرفض من قبل الأبناء في
البداية بحكمة.
نصائح إلى الأب عند اختيار زوجة جديدة لتكون أماً لأبنائه يقدمها لنا
الدكتور محمد مهدي:
• أن يراعي الأب مسألة السن فكلما كان سن الزوجة مقارباً لسنه كلما كانت
فرص النضج الشخصي عندها أكبر ومنابع الأمومة لديها أكبر ولا يجد نفسه
مطالباً بتقديم أشياء تعويضية أو تنازلات لها.
• التكافؤ الاجتماعي كلما كان وضع الزوجة قريباً من وضع الأسرة الاجتماعي
كلما شعر الجميع بالتجانس.
• يمكن أن يشرك الأباء بعض الأبناء في هذا الاختيار إذا كانوا في سن تسمح
لهم بالاختيار ويشرح لهم احتياجه إلى هذه الزوجة فإن هذا سيساعدهم على
تقبلها.
المجلة ترحب بأي مشاكل على البريد الإلكتروني التالي:
moushkelty@nozhanet.net |